حسن حسن زاده آملى
531
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
ضربا من الاستكمال ، فكذلك لها أيضا في أن تدرك الأشياء ادراكا جزئيا بصريا أو نحوه أن تستغنى عن هذه الأعضاء وانفعالاتها . وبالجملة أن الإبصار يتحقق بدون الآلة وانفعالها ، وبدون انفعال النفس أيضا لكونها فاعلة للصور المبصرة لا قابلة إياها . فإذا ثبت ذلك من أن النفس المجردة عن عالم الطبيعة تدرك الصور الجزئية المبصرة ببصرها الخاص الذي هو عين ذاتها ، علم أن مطلق الإبصار من عوارض الموجود بما هو موجود . ولا يوجب تجسّما ولا انفعالا وتغيرا وهو كمال وفقدانه نقص فالواجب - جل ذكره - أولى بذلك الكمال . وكذا الكلام في السمع فإنّ الذّي اشتهر بين النّاس أن السمع إنما يحصل بقرع أو قلع عنيفين ولا بدّ فيه من تموّج الهواء الواصل إلى عضو غضروفي في باطنه عصب مفروش يؤثر فيه وصول الهواء المتموج فتنفعل منه النفس فتنتبه بالأصوات والحروف والكلمات ويدركها ، ليس كما قررّوه واثبتوه وخالفهم في ذلك طائفة من أكابر الحكماء . ومما ينبّه أن مطلق السمع لا يفتقر فيه إلى آلة طبيعيّة أو حركة هوائية ، أن الانسان ربما يسمع في حالة النوم صوتا شديدا كصوت الرعد ونحوه ويؤثر فيه تأثيرا عظيما ليس بأقل من تأثير صوت الواقع في الخارج وحالة النوم حالة اتصال النفس بعالم آخر » . أقول : هذه جملة من كلماته المنيفة في أن ادراك النفس في المحسوسات انما هو من انشاء النفس باذن اللّه - سبحانه - . وكذلك الأمر في الصور الخيالية كلها من انشائها فهي فعلها القائم بها ومحسوساتها في الحقيقة معقولاتها فضلا عن متخيلاتها . وأما ادراكها الحقائق العقليّة فقد تقدّم الكلام فيه في العين الثامنة والعشرين ، وجملة الأمر أنه بفناء النفس في العقل وسيجيء البحث عنه أيضا . ومن هذه الإشارات تذعن أن العلم حضوري مطلقا ، وأنه نور للنفس وعينها ، وأنه جوهر ؛ بل وجود نوري كان فوق المقولة . ولنذكر بعض عبارات علماء القوم على ممشى المشاء مزيدة للتبصّر : قال الشيخ في أول أولى كتاب نفس الشفاء في معاني النفس « 1 » : « إن النفس يصح أن يقال لها بالقياس إلى ما يصدر عنها من الافعال قوة . وكذلك يجوز أن يقال لها بالقياس إلى ما يقبلها من الصور المحسوسة والمعقولة على معنى آخر قوّة . الخ » . أقول المراد من القوة الأولى هو مبدأ التغير في الغير . والمراد من الثانية هو الانفعال
--> ( 1 ) . طبيعيات الشفا : ( كتاب النفس ص 6 ) .